عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

358

اللباب في علوم الكتاب

كما قرئ : لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ [ الصافات : 8 ] ، والأصل : يتسمّعون ؛ فأدغم ، وقرأ « 1 » طلحة بن مصرف : « لمئة سنة » . فإن قيل « 2 » : لما قال تعالى : « بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ » كان من حقّه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك وقوله : « وانظر إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ » لا يدلّ على أنه لبث مائة عام ، بل يدلّ ظاهرا على قول المسؤول إنه لبث يوما أو بعض يوما . فالجواب أنه ذكر ذلك ليعظم اشتياقه إلى طلب الدّليل الذي يكشف هذه الشبهة ، فلما قال تعالى « وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ » فرأى الحمار صار رميما وعظاما نخرة ، فعظم تعجبه من قدرة اللّه تعالى ؛ فإنّ الطعام ، والشراب يسرع التغير إليهما ، والحمار ربما بقي دهرا طويلا عظيما ، فرأى ما لا يبقى باقيا ، وهو الطعام ، والشّراب ، وما يبقى غير باق ، وهو العظام فعظم تعجبه من قدرة اللّه تعالى ، وتمكّنت الحجة في قلبه ، وعقله . قوله : « وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ » معناه أنّه عرّفه طول مدة موته ، بأن شاهد انقلاب العظام النخرة حيّا في الحال ، فإنه إذ شاهد ذلك ، علم أن القادر على ذلك قادر على أن يميته مائة عام ، ثم يحييه . فإن قيل : إنّ القادر على إحياء العظام النخرة ، قادر على أن يجعل الحمار عظاما نخرة في الحال ، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بعظام الحمار على طول مدة الموت . فالجواب : أنّ انقلاب العظام إلى الحياة معجزة دالّة على صدق قوله : « بل لبثت مائة عام » . قال الضحاك : إنّه تعالى بعثه شابّا أسود الرأس ، وبنو بنيه شيوخ بيض اللّحى ، والرّؤوس . قوله : « ولنجعلك » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلق بفعل محذوف مقدّر بعده ، تقديره : ولنجعلك فعلنا ذلك . الثاني : أنه معطوف على محذوف تقديره : فعلنا ذلك ، لتعلم قدرتنا ولنجعلك . الثالث : أن الواو زائدة واللام متعلقة بالفعل قبلها ، أي : وانظر إلى إلى حمارك ، لنجعلك . قال الفرّاء : وهذا المعنى غير مطلوب من الكلام ؛ لأنه لو قال فانظر إلى حمارك لنجعلك آية للناس ، كان النظر إلى الحمار شرطا ، وجعله آية جزاء أمّا لمّا قال : « وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً » [ كان المعنى : ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا ، من الإماتة ، والإحياء . وليس في الكلام تقديم وتأخير ، كما زعم بعضهم ؛ فقال : إن قوله : « ولنجعلك » مؤخر بعد قوله

--> ( 1 ) انظر : البحر المحيط 2 / 304 ، والدر المصون 1 / 626 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 31 .